مقدمة:

صباح الحق.. دعنا نتفق منذ البداية على حقيقة قد تغيب عنك في زحام الحياة: أنت لست مضطراً لتقديم "أوراق اعتماد" لتثبت أنك تستحق الحياة. ربنا لما خلقنا، خلق لنا جميعاً -بلا استثناء- أعلى درجات "القيمة الافتراضية". قبل أن تكتسب اسمك، وقبل أن تعرف رصيدك في البنك، وقبل أن تختار ملابسك، أنت "مكرم". تخيل معي مشهداً قديماً جداً، في الملأ الأعلى، حين أصدر الله الأمر الكوني: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. هذا التكريم هو "هويتك" التي لا يملك بشر أن ينتزعها منك. أنت غالٍ لأنك "نفخة روح" في "قالب طين". هذه هي نقطة الانطلاق، فلا تسمح لأحد –مهما كان– أن يوهمك بأن قيمتك تستجديها من كلمة إطراء أو نظرة إعجاب.

ولكن.. هل سألت نفسك يوماً: "إذا كنت مكرماً بكل هذا القدر، فلماذا أشعر أحياناً بأنني بلا وزن؟" تعال نغوص معاً لنفك شفرة هذا الشعور.


خدعة السكون (أنت والكون وقانون الفوضى)

هل فكرت يوماً أن وقوفك مكانك، وسكونك، وخوفك من المحاولة هو في الحقيقة "حركة"؟ نعم، هو حركة، لكنها للخلف! هنا يهمس لنا العلم بسر خطير. الفيزياء تخبرنا عن قانون صارم يدعى "الإنتروبيا" (Entropy)؛ الكون بطبيعته يميل للفوضى والتدهور ما لم تبذل "طاقة" للحفاظ عليه.

  • كوب القهوة الساخن إن تركته يبرد.
  • الماء إن ركد يفسد.
  • وأنت.. إن لم تتحرك، تتآكل روحك وتضمر مهاراتك.

لذلك، صدقني حين أقول لك: "السكون سعي سلبي". الحياة لا تعرف زر "الإيقاف المؤقت" (Pause). إما أنك تصعد، أو أنك تهبط. وهنا تتجلى روعة الوصف القرآني الدقيق لهذه المعادلة الفيزيائية والنفسية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. التزكية هي تلك "الطاقة" التي تبذلها لتقاوم التدهور، والدسّ هو الاستسلام لقانون السكون.

اختبار الغياب.. هل وجودك "فارق"؟

دعنا نكن صرحاء لأقصى درجة.. لو غبت اليوم عن محيطك، هل سيشعر أحد ببرودة في المكان؟ هل سيفتقد الناس "قيمة" كنت تضيفها؟ أم أن الأمر سيان، وجودك كعدمك؟

علماء النفس، وعلى رأسهم "إريك إريكسون"، يقولون لنا شيئاً مدهشاً: سعادتك النفسية مرتبطة بمدى شعورك بأنك "مفيد". الدماغ البشري يكافئك بهرمونات السعادة حين تعطي، وحين تترك أثراً. قيمتك الحقيقية –التي تصنعها بيدك– تكمن في "الاحتياج". بماذا يحتاجك الناس؟ بأخلاقك؟ بمهارتك؟ بعلمك؟ بابتسامتك التي تهوّن الصعاب؟

هنا نصل لجوهر المسألة، وللكلمة الخالدة التي أطلقها الإمام علي بن أبي طالب كقاعدة ذهبية للحياة:

"قيمةُ كلِّ امرئٍ.. ما يُحسِنُه"

لاحظ دقة الكلمة: "يُحسنه". ليس مجرد ما يعمله، بل ما يتقنه، ما يضيف فيه لمسة جمال ونفع. النبي ﷺ لخص لنا دستور العلاقات الإنسانية حين قال: «أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفعُهُمْ للناسِ». قيمتك ترتفع كلما زاد نفعك، وكلما صار غيابك "فراغاً" يصعب ملؤه.


المعادلة في سطرين

الأمر بسيط يا صديقي، ولا يحتاج لتعقيد:

1.      داخلياً: أنت مكرم وغالٍ جداً (هبة من الله).

2.      خارجياً: قيمتك هي "فعلك"، هي سعيك، هي إحسانك الذي تترك بصمته على جدار الزمن.

فلا ترضَ لنفسك أن تكون مجرد رقم زائد في معادلة الحياة.


ورشة العمل (تدريبات لك وحدك)

حتى لا يكون كلامنا مجرد حبر على ورق، ما رأيك أن تجرب هذه التمارين الصغيرة هذا الأسبوع؟

1. تمرين "تحدي السكون":

  • اسأل نفسك الآن: "ما هو الشيء الذي توقفت عن تطويره في حياتي؟" (لغة، عبادة، رياضة، علاقة).
  • قرر أن تكسر قانون "الإنتروبيا" اليوم وتتحرك فيه ولو خطوة واحدة صغيرة. اكسر حاجز الجمود.

2. تمرين "المرآة الحقيقية":

  • قف أمام المرآة، وبدلاً من أن تنتقد شكلك، ذكّر نفسك: "أنا مكرّم، هذا الشك ليس قيمتي، قيمتي فيما سأقدمه اليوم".

3. تمرين "بصمة الإحسان":

  • اختر مهارة واحدة "تُحسنها" (مهما كانت بسيطة)، وقدمها كخدمة لشخص حولك اليوم بنية "النفع". وراقب كيف سيتغير شعورك بقيمتك بعدها.

المصادر والمراجع (لمن أراد الاستزادة):

1.      القرآن الكريم.

2.      صحيح الجامع (للأحاديث النبوية).

3.      نهج البلاغة (لمقولة الإمام علي).

4.      علم النفس الإنساني (Humanistic Psychology): (حول مفاهيم Self-Worth و Self-Esteem).

5.      القانون الثاني للديناميكا الحرارية (Entropy): (وتطبيقاته على النظم الحيوية والاجتماعية).

6.      إريك إريكسون (Erik Erikson): (نظرية التطور النفسي الاجتماعي: الإنتاجية مقابل الركود).


والآن.. الميكروفون معك، هل تشعر أنك جاهز لكسر السكون اليوم؟